الأوراق تنذر بالتلف ( قصة قصيرة )

السلام عليكن ورحمة الله

بادئ ذي بدء

أشياء كثيرة تلك التي نريدها ولا نجدهـا

ونتمناها ثم نجدها

وإن لم نتمنها لم نجدها أو نجدها

ليست أحجية إنما كل ما يتأتى لنا ولا يتأتى له حكم عُظمى …

/
اقتطعت ورقة من منتصف دفترها ذو الغلاف البني المشوب بلون زهر في أسفله وبين ورقاته رائحة عطر تنم عن رومنسية ، فهي خفيفة قليلًا ، هادئة ، بصوت الحنان ، ترقى الأنف لتُشم حين التقليب المستمر ، اقتطعتها برقة بالغة ، ابدأت من الأسفل شيئًا فشيء ، وبكل خفوت صوت ، لا جلبة ورقة تُنزع ولا نأمة حفيف يسمع ، حتى إذ وصلت لآخر الورقة من الأعلى ، أبقتها مليئًا تنظر إليها ، تتلمس ورقة في مهب الريح إلا من خيط رفيع يصلها بالثبات ، ثم بجزع أمسكتها بكلتيّ يديها وللأعلى انتزعتها ، و هدهدتها على طاولتها المربعة الرمادية بين كُتبها الكثيرة ديوان الشابي ، رواية إله الأشياء الصغيرة ، النمل الطبيعي والثقافي ، محاولة ثالثة ، وجع النهايات كلها كانت مرصوصة بعضها فوق بعض كأنية ملونة مصنوعة من طبقات لشدة ترتيبها ، أما أوراقها فقد وضعتها بالجانب المُحاذي للكتب وبألوان شتى ، وكلها نُزعت من الدفتر ذاته ، دفترها العتيق ، ذو صوته الرخيم حتى في انفصال ورقاتِه عنه ، لا يضجر ، لا يتباكى ، لا يرفض لمس يديها ، وهي بوحشيتها تأخذ كل الورقات لا تسأم ، كلما حدثها حديثه المجنون كانت تُجن به ، تطير حيث كان وإن لم يكن إلا في الحلم رأته ، و الأوراق ثمنًا للجنون فهو قد أهداها إياه ، يوم كانت مريضة في عامها التاسع عشر حينما داهمتها حمى مفاجأة ورمتها على سرير المستشفى خمس ليال متواليات كان وجهها متورم ومحمر إثر الوعكة الشديدة وهو كان دائم الحضور يبدأ صباحه بطرق غرفة تنومها وينتهي يومه بزيارته لها ، كانت قد عرفت هاتين الساعتين وانتظرتها وتناست الإثني والعشرون الأخرى ، لم تهتم لها ، لم تبالي من حضر ومن ذهب كانت تغمض عينيها بشدة كيما تمثل دور النائمة أمامهم جميعًا ، لا ترتقب إلا ساعة الصباح الأولى و آخر ساعة مساء للزيارة ، وهو لا يتفأ يجلب معه قلبه الذي يتأملها من خلاله
وخلال دقائق الزيارة كلها لا يهمس بكلمة ما ولا حديث ذو شجون يكلمها
سوى
أأنتِ بخير ؟؟؟
وترد بوهن بالغ : نعم أحسن من ذي قبل
ويطول الصمت
لا يتكلم
ولا ترد
تنظر لساعة الحائط المستطيلة ذات إطار أزرق وعقاربها بدت لها وكأنها توقفت على الساعة السادسة صباحًا
تك تك تك ، تلك كانت المتحدث الدائم بينهما ، ولا يُنصت إلا لصوته
في آخر زيارة له عندها طرق الباب طويلًا ولم يلج سعتئذ
بقي الباب موصدًا بينهما
هي تشتد نظرًا لمقبض الباب
إذ لمه لم يدخل بعد ؟!
وبعد لأي سُمعت حركة المقبض تتحرك وتقف
ثم تُعاد الكرة
حتى فتح
كان طولًا في السماء وبنظرتها وهي على سريرها تجتر خياله الفارغ ولا تنظر إليه
إلى الساعة نظرتها
جلس على كرسي الزائر كالعادة دون أن ينبس بشيء سوى أنه قدم هذه المرة صندوق مغلف
بألوان شتى وكلها تشد معصم عقدتها إلى لون واحد
إحساس الحب جمعها أطال جلوسه صامتًا ثم ابتدرها قائلًا
غدا سأسافر لرحلة طويلة قد لا أعود ولربما أعود بعد أعوام
لم تقوى على سماع ما قال كأن مطارق شتى طرقت قلبها و ولج منها هواء بارد أصمت كل الأصوات ولم تستثار سوى دموعها لكنها أخفتها وهو خرج سريعًا
تأزم صدره ثم تأنى بعد مرقه من فوهة الباب
وعاد متأملًا وجهها هذه المرة
عاد وهو يضم يديه إلى قلبه
ونظرتها كانت له ، لم تكن لساعة الحائط
..
..

..

هنا الدفتر قد قُصت منه نصف وريقاته وهو لم يعد بعد
سوى مكالمات سريعة ، تنذر بجنون يسكنها .

،

وكالعادة أقبل النقد
والهمس
والصراخ
وحتى الجلبة

غرس وبذرة

الغرس في بقعة طاهرة ، ونقية هو ذا خير وافر ، وثمر كثير ، ونعم متتابعة

والكلمة الطيبة تُبقي فسيلتها الخضراء النظرة بقلوب الأنقياء

حتى إن غادروا زارعوها بقيت هي تنضج وتكبر وتنضح بالحياة


أخبرني (هو ) أن ردود أفعالنا هي التي تؤثر فينا ، تزعزعنا أو تضعضع من ذواتنا

إذْ ليس فاعل الحدث هو المسبب لكل ما يعتلجنا

وإن كان لكل فعل ردة فعل

لذا لنحسن ردود أفعالنا ، لنحكمها ، ثم نطويها طيًا مضبوطًا

كيما نحافظ على ( قلوبنا )

،، المتأمل لعينيها يجد فيها خليطًا من مشاعر ، لعينيّ الحياة ، فأي مشاعر تُعلق بذاته ،،

وأنت الحكم ..


( )


ثم أخبرني أن الممتلئ بالفكر السليم ، لن يجد فراغًا لتمخره عجاج الذكرى ، أو عواصف البلوى ، أو شتات فكر

هو مليء إذْ أنى لشيء جديد يسكنه

لذا لنملئ أفكارنا بالسليم والأسلم

فلسنا نجد نزلًا فارغة لضيوف الطريق ، ضيوف الطريق هم المترحلون وزادهم هو هو

بيد أن الأيام تُحمّلهم من الضنى أكثره ، ومن الشكوى كثيرها

فلا تستقبلونهم .

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.